تفاجأت أن الألباني من المعاصرين وتوقفت عن قبول أحكامه
فتوى: تفاجأت أن الألباني من المعاصرين وتوقفت عن قبول أحكامه على الأحاديث!

السؤال:
علمت مؤخراً أن العلامة الألباني هو من علماء العصر الحديث ، وأنه توفي منذ ثماني سنوات فقط ، وأنا لست من أهل العلم لأفتي في الرجل ، ولا أعلم عن سيرته شيئاً يُذكر ، ولكني فقط أريد أن أطمئن ويطمئن قلبي ، كيف يجوز لنا الأخذ بحديث ضعَّفه الأوائل من أهل العلم وصححه هو ؟ أو كيف يجوز لنا ترك حديث صححه السابقون من العلماء وأنكره هو ؟ مع ما لهم من قرب عهد بالرواة والصحابة والتابعين ما يمكنهم من معرفة أحوالهم والسؤال عنهم ، وما له من بعد عهد عن كل هؤلاء الرواة ، مما يجعل قدرته على اقتفاء آثارهم ومعرفة أحوالهم وصفاتهم أمراً متعذراً جدّاً ، يكاد لا يعتمد فيه إلا على ما أخبر به الأوائل ابتداء ، وبذلك فهو ربما لا يكون قد أضاف شيئاً ، لا أقصد المعيب في علاَّمة مثله ، ولكن هذا تصوري العقلي ، وأنا كنت آخذ بأحاديثه دون نقاش ، لكن بعد أن علمت أنه ليس من التابعين وأصحاب العهد الأول : دهشت ، ولم أعد أعلم كيف أتصرف عندما يخالف رأيه أحداً منهم . أرجو الإفادة ، وجزاكم الله خيراً .
الجواب:
الحمد لله
أولاً:
الشيخ محمد ناصر الدين الألباني ليس من الصحابة ولا من التابعين ، ولا من أهل القرون الثلاثة ، بل هو معاصر ، ولد عام 1333 هـ ، الموافق 1914 م في مدينة ” أشقودرة ” في دولة ألبانيا ، وتوفي في الثاني والعشرين من جمادى الآخرة عام 1420هـ ، الموافق الثاني من أكتوبر 1999م ، في الأردن .
ثانياً:
العلم الشرعي لا يعرف متقدماً ومتأخراً ، وكل متقدم هو ـ في الحقيقة ـ متأخر بالنسبة لمن سبقه ، وكل متأخر هو ـ أيضا ـ متقدم بالنسبة لمن تلاه !! والمتقدم في الزمان قد لا يكون على درجة من العلم أو الفقه بالنسبة لمتأخر نهل من علم الأوائل ورزقه الله فهماً ثاقباً ، فالحق لا يُعرف بكون قائله من المتقدمين ، بل بموافقته للأدلة من القرآن والسنَّة .
ثالثاً:
المتقدمون أنفسهم في القرون الفاضلة المتقدمة اختلفوا في الحكم على رجال ورواة ، واختلفوا في الحكم على أحاديث صحة وضعفاً ، فماذا تصنعين مع هذا الاختلاف منهم وهم في زمان متقدم ، وكلهم من أهل العلم الفضل ؟! إنك تحتاجين لمن ينظر في أقوالهم ، ويقلِّب النظر فيها ، ويرجح بينها ليخلص بنتيجة ، وهذا لن يكون إلا رجلاً متأخراً عن زمانهم ، أو معاصراً لزمانك ، فأنتِ بحاجة لهذا العالِم ليعطيك نتيجة الترجيح بين تلك الأقوال المختلفة ، وهو في الحقيقة لا غنى له عن علوم المتقدمين ، بل هو لا شيء لولاها ، ولذا كان هؤلاء عالة على المتقدمين ، وما من أحدٍ من أهل العلم إلا ويعترف لعلماء الحديث وأئمتهم المتقدمين بالفضل .
رابعاً:
إذا كنتِ لستِ من أهل العلم ، فكيف لكِ أن تحكمي على شخص بأنه ليس مؤهلاً لأخذ أقواله ، وقبول ترجيحاته ؟! وها أنتِ ذا تراسليننا وتطلبين منَّا النصيحة والتوجيه ، ونعتقد أنك تقبلين كلامنا في الشيخ الألباني رحمه الله ، ونحن نخبرك أنه شيخنا وإمامنا ، ونحن في موقعنا هذا نذكر حكمه على الأحاديث غالباً ، ونرضى فقهه في كثير من المسائل ، فما الذي يجعلك تقبلين الفتوى منّا أو من غيرنا في مسائل الفقه والاعتقاد ، ولا تقبلينها من الشيخ الألباني رحمه الله ، وكلهم معاصرون لزمانك ، ولعلَّ بعضهم تلاميذ للشيخ نفسه ! .
خامساً:
إذا أردتِ معرفة كون الإنسان عالِماً يوثق بفقهه وعلمه : فإنه يمكنك ذلك بإحدى طريقتين :
الأولى : أن تكوني من أهل العلم ، فتنظري في أقواله ، وتسمعي كلامه ، ثم تحكمين بأنه من أهل العلم ، من خلال استدلاله ، وقوة نظره في الأدلة ، واستعمال القواعد العلمية في النظر والترجيح .
والثانية : أنكِ تسألين من تثقين به من أهل العلم الثقات عندك عنه ، فإن زكَّاه لكِ : أخذتِ بأقواله وترجيحاته ، ووثقتِ بكلامه وتوقيعه عن رب العالمين .
وبما أن الأمر في الطريقة الأولى لن يكون ؛ بسبب اعترافك بأنك لست من أهل العلم : فإنه لم يبق إلا الطريقة الثانية ، وهي حكم العلماء المعروفين ، والموثوقين على هذا الرجل ، وهل هو فعلاً من العلماء أم لا .
ونحن نذكر لك بعض الأقوال في تزكية هذا الإمام ، لتحكمي بعدها بما حكم به هؤلاء العلماء ، وليس أمامكِ إلا قبول كلامهم .
1. قال الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله – :
ما رأيت تحت أديم السماء عالماً بالحديث في العصر الحديث مثل العلامة محمد ناصر الدين الألباني .
2. وسئل – رحمه الله – عن حديث رسول الله صلى الله عليه و سلم : ( إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها ) من مجدد هذا القرن ، فقال – رحمه الله – : الشيخ محمد ناصر الدين الألباني هو مجدد هذا العصر في ظني ، والله أعلم .
3. وقال – رحمه الله – :
الشيخ ناصر الدين الألباني من إخواننا المعروفين من المحدثين من أهل السنة والجماعة ، نسأل الله لنا وله التوفيق والإعانة على كل خير ، والواجب على كل مسلم أن يتقي الله ، وأن يُراقب الله في العلماء ، وأن لا يتكلَّم إلا عن نصيحة .
4. وقال – أيضاً – :
ونفيدكم أن الشيخ المذكور معروف لدينا بحسن العقيدة ، والسيرة ، ومواصلة الدعوة إلى الله سبحانه ، مع ما يبذله من الجهود المشكورة في العناية بالحديث الشريف ، وبيان الحديث الصحيح من الضعيف من الموضوع .
5. وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله – :
فالذي عرفته عن الشيخ من خلال اجتماعي به – وهو قليل – : أنه حريص جدّاً على العمل بالسنَّة ، ومحاربة البدعة ، سواء كان في العقيدة ، أم في العمل ، أما من خلال قراءتي لمؤلفاته : فقد عرفت عنه ذلك ، وأنه ذو علمٍ جمٍّ في الحديث ، رواية ، ودراية ، وأن الله تعالى قد نفع فيما كتبه كثيراً من الناس ، من حيث العلم ، ومن حيث المنهاج والاتجاه إلى علم الحديث ، وهذه ثمرة كبيرة للمسلمين ، ولله الحمد ، أما من حيث التحقيقات العلمية الحديثية : فناهيك به .
وهذه أقوال علماء كبار شهدوا لأخيهم بالعلم ، وخاصة علم الحديث ، وإذا شهد الكبار لشخص بأنه من العلماء والأئمة : فلم يبق كلام لغيرهم من الصغار الطاعنين بعلم الشيخ رحمه الله .
ومع تلك الشهادات الغالية من أولئك الأئمة الأعلام : فإننا نذكر تزكية الجهات الأكاديمية ، والمجامع الفقهية لعلم الشيخ الألباني ، وهي تعزز شهادة إخوانه العلماء .
6. ” مجمع الفقه الإسلامي ” .
قال الأمين العام لمجمع الفقه الإسلامي الدكتور الحبيب بلخوجة – حفظه الله – :
إننا فقدنا بموته رجلا سبَّاقاً إلى خدمة العالم الإسلامي ، فكان بذلك مرجعاً لعدد كبير من الأساتذة والشيوخ .
7. ” رابطة العالم الإسلامي ” .
قال الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي الدكتور عبد الله بن صالح العبيد – حفظه الله – :
لا شك بأن فقد الأمة الإسلامية بوفاة الشيخ الألباني تعتبر خسارة فادحة .
8. ” إدارة البحوث العلمية والإفتاء ” في السعودية .
قال الشيخ عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ – حفظه الله – :
قال حفظه الله معترفا بمكانة الشيخ الألباني رحمه :
الشيخ محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله أحد العلماء في هذا العصر ، فهو رجلٌ صاحب سنّة ، ومحب للسنَّة ، ومدافع عنها .
9. ” كلية الشريعة في جامعة دمشق ” .
وقد اختارته ليقوم بتخريج ” أحاديث البيوع ” الخاصة بموسوعة الفقه الإسلامي ، التي عزمت الجامعة على إصدارها عام 1955 م .
10. ” لجنة الحديث ” .
التي شكلت في عهد الوحدة بين مصر وسوريا ، وقد اختارته ليكون عضواً فيها ؛ للإشراف على نشر كتب السنة وتحقيقها .
11. ” الجامعة السلفية ” في ” بنارس ” في ” الهند ” .
وقد اختارته ليتولى مشيخة الحديث فيها ، وقد اعتذر عن ذلك .
12. ” وزارة المعارف في السعودية ” .
وقد طلبت منه عام 1388 هـ أن يتولى الإشراف على قسم الدراسات الإسلامية العليا في جامعة مكة .
13. ” الجامعة الإسلامية ” في المدينة النبوية .
وقد اختاروه للتدريس فيها ، واختير عضواً للمجلس الأعلى فيها .
14. وأخيراً :
فقد قررت لجنة الاختيار لجائزة الملك فيصل العالمية للدراسات الإسلامية منح الجائزة عام 1419هـ ، 1999م ، وموضوعها ” الجهود العلمية التي عنيت بالحديث النبوي تحقيقاً وتخريجاً ودراسة ” للشيخ محمد ناصر الدين الألباني ، وقالوا : ” تقديراً لجهوده القيِّمة في خدمة الحديث النبوي ، تخريجاً ، وتحقيقاً ، ودراسة ، وذلك في كتبه التي تربو على المئة ” .
وبه يتبين – إن شاء الله – أن الشيخ الألباني رحمه الله أهلٌ لأن يؤخذ عنه العلم ، وبخاصة علم الحديث ، وقد زكَّاه رؤوس أهل العلم في زماننا هذا ، وزكته جهات رسمية ، وأكاديمية ، عربية ، وأعجمية .
وننبه في نهاية هذا الجواب إلى أمرين اثنين :
الأول : أن الشيخ رحمه الله ليس بمعصوم عن الخطأ ، وأنه قد ردَّ عليه كثيرون ، فأصابوا في أشياء وأخطئوا في أخرى ، وقد قبَل الشيخ تصويبهم فيما أخطأ به ، ولم يمنعه ذلك من قبول الحق ، فالشيخ رحمه الله بشر ، يصيب ويخطئ ، وصوابه أكثر من خطئه .
والثاني : أنه لا يوجد – حسب علمنا – حديث تفرد الشيخ بتصحيحه أو تضعيفه عن المتقدمين ، فكل حديث صححه أو ضعفه فهو مسبوق من غيره بالحكم نفسه ، وإن وُجد ما يخالف كلامنا هذا فهو نادر .
ويمكنك معرفة الكثير عن حياة الشيخ وجهوده من خلال قراءة شيء من تراجمه المنشورة ، وهي كثيرة ، وأهمها : حياة الألباني وآثاره ، وثناء العلماء عليه ، للشيخ محمد بن إبراهيم الشيباني ، وهو في مجلدين . كما ننصحك بالاستفادة المباشرة من كتب الشيخ ، وأشرطته ، ولعل سماع الأشرطة يساعدك على الاستفادة المباشرة من الشيخ ، والوقوف على شيء من علمه ، رحمه الله .
ونسأل الله تعالى أن يفقهنا في دينه ، وأن يعلمنا منه ما جهلنا ، وأن يرحم شيخنا الألباني ، ويسكنه الفردوس الأعلى .
والله الموفق

المصدر: موقع الإسلام سؤال وجواب